محمود توفيق محمد سعد
21
الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم
ويسافر إلى أرض الحجاز للحجّ سنة ( 848 ) ويمكث عاما يطوّف في " الجزيرة " ويأخذ عن بعض علمائها ، ثمّ يعود إلى القاهرة سنة ( 849 ) مستأنفا تلقيه وملازمة شيخه ابن حجر ويشارك في الجهاد والمرابطة في دمياط سنة ( 851 ) و ( 852 ) ويعود إلى القاهرة مقيما بها حتى عام ( 880 ) وقد جرت له بمصر وقائع ومحن عديدة شديدة لتصدّيه لما رآه منكرا لا يحلّ السكوت عنه فيغادرها إلى " دمشق " « 1 » ومما كان له أثر في حياته وفي منزلته من بعد تفسيره تصديه للعبث بأصول العقيدة الإسلامية ولا سيّما صفاء عقيدة التوحيد ، إذ رأى في نشر فكر الإلحاد والقول بوحدة الوجود والترويج لمقالات " ابن الفارض " و " ابن عربي " عدوانا داخليّا على الأمة ، فرابط في هذا الثغر الذي خطره أشد من الثغور التي تهاجمها جحافل العسكر من أعداء الإسلام ، فامتشق قلمه ولسانه وتصدى لإخوان الباطل ، وكان له مع الفكر الإلحادي ممثلا في تراث " ابن الفارض " و " ابن عربي " منازلات سجلت في كتب التاريخ : يقول " ابن إياس الحنفي " في تأريخ أحداث سنة خمس وسبعين وثمان مائة : " وفي أوائل هذه السنة كثر القال والقيل بين العلماء بالقاهرة في أمر الشيخ العارف باللّه تعالى سيدي " عمر بن الفارض " نفع اللّه النّاس ببركته [ ! ! ! كذا ] وقد تعصب عليه جماعة من العلماء بسبب أبيات قالها في قصيدته " التائية " ، فاعترضوا عليه في ذلك ، وصرّحوا بفسقه بل وتكفيره ، ونسبوه إلى من يقول بالحلول والاتحاد ، وحاشاه من ذلك أن ينسب إليه هذا المعنى ، ولكن قصرت أفهام جماعة من علماء هذا العصر ، ولم يفهموا معنى قول الشيخ " عمر " فيما قصده من هذه الأبيات ، فأخذوا بظاهرها ولم يوجهوا لها معنى ، فكان كما قال المتنبّي : وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السقيم ولكن تأخذ الأذهان منه * على قدر القرائح والفهوم
--> ( 1 ) - عنوان الزمان ج 1 / 226 و 312 : ج 2 / 64 ، 141 ، 249 ، 370 ، ج 3 / 84 ، 148 ، 205